قراءة بقلم الاستاذ طالب زعيان ( للعشق جناحان من نار )      لمصلحة من مقاطعة الانتخابات      جمرات في قبضتي      الفنان هاشم حنون .. لوحات تخترق حاجز الموت      موقع "أمازون" يعرض رواية رومانسية لصدام حسين للبيع      الكشف عن تفاصيل رسالة شارون إلى العاهل السعودي السابق      شارون خطط لإسقاط طائرة مدنية في محاولة لاغتيال عرفات      ترشيح 3 آلاف موظف في درجات رفيعة إلى الانتخابات من دون تقديم استقالاتهم      أول زيارة قضائية عالية المستوى الى العراق منذ اكثر من عقد      تقرير: البغدادي هرب من قارة اسيا كاملة      دولة المواطنة بين العراق وكوردستان؟      شاسوار عبدالواحد يصنع الكباب لجمهوره      إذاعة هولندا العالمية ترعى فعالية وتمويل مشاريع المرتبة الأولي هي الأولي من نوعها بحديدة اليمن بعنوان "وسائل التواصل الاجتماعي والشباب"      صالح: بارزاني يمنح ملابختيار مليون دولار رغم أزمة كردستان؟!      مصري ينتقد "صدام وانا ومتلازمة ستوكهولم"     
جمرات في قبضتي
2018-01-26 13:35:27

فلاح العيساوي :


كلما أنظر إلى السماء، أرى ما تستطيع عيني رؤيته فقط، كيف لي أن أرى ما لا تراه الأعين المجردة، أسأل نفسي هل يستطيع الإنسان أن يتجاوز الجسد المادي ويتجاوز حدود المادة؟ كيف يتسنى له الوصول إلى أبعد مما تراه العين؟.
عندما أبدأ القراءة في كل مرة، أجد نفسي خارج حدود المادة، تسيح روحي في عوالم افتراضية قد تكون موجودة لكني لا أستطيع إدراكها، حيرتي كانت تزداد مع كل سفر وسياحة في عوالم الكتب، المعرفة كنز لا يفنى، لا يعرف قيمتها أغلب البشر الذين علقوا في عالم المادة، وابتعدوا عن عالم الروح.
عندما وقع نظري على كتاب (قصة الإيمان) لنديم الجسر، أحسست أن حيران بن يقظان هو نفسه أنا، تذكرت ذلك العارف جيراننا، كان أغلب الناس يظنونه رجلاً مجنوناً أو ملبوساً، على أن ليس كل ما يظنه الناس هو الحقيقة المطلقة، عندما التقيت به قبل مدة في الطريق إلى المسجد، ألقيت عليه التحية السلام، وسرت معه، فسألني:
- ماذا يقول الناس عني؟.
- هل من الضروري أن تعرف؟.
- لا تعرف غايتي الحقيقية من سؤالي!... لذا أنتظر اجابتك بفارغ الصبر.
لم أفهم غايته، كنت قلقاً من الرد الصريح عن سؤاله، هو استشعر هذا الوجل؛ فطمأنني بكلام مريح، جعلني قادراً على الاجابة فقلت له:
- شيخنا، الناس على قسمين منهم من يقول عنك مجنون، ومنهم من يقول أنك عالم.
ابتسمَ وقال:
- وأنت ما الذي تراه؟.
- أرى ما يراه سيد العقلاء بعد سيد البشر "الانسان مخبوء تحت طي لسانه لا طيلسانه".
ملامحه كانت تدل على ارتياح من إجابتي، نظراته يملأها العطف، تمتم:
- يا غريبا كن أديبا.
كلمة لم يكن لها رابط بموضوعنا، قلت:
- كيف تكون غريبا وأنت ابن هذه المدينة؟.
- قد تكشف لك قادم الأيام عن معناها.
في حينها ودعني بابتسامة فيها حب واكرام.
لم يكن هذا اللقاء هو لقائي الأول به، فهو يعرفني جيدا ويعرف عائلتي، عقلي ومشاعري تحثني على صحبة هذا العالم، كنت أسمع عن علمه الكثير من بعض العقلاء، ومن خلال قراءتي كنت أحاول رسم الطريق بدقة نحو تحقيق قيادة العقل المطلق، هذا الجوهر الثمين هو هبة الخالق عز وجل للإنسان، العقل الذي ميزنا عن بقية الحيوانات وجعلنا أفضل الكائنات.
خرجت من البيت وكلي عزم على تنفيذ قراري، وقفت على باب داره والخجل يملأ كياني، ترددت لكن إرادتي غلبت، طرقت الباب أخيرا، عندما نظر في وجهي وأبتسم، رحب بي وأدخلني إلى صومعته، الغرفة تعج بعبق الكتب، بان على وجهي الانبهار، تبسم وقال:
- هذه عقول العلماء والمفكرين، أعيش بينهم وأعرف حقهم علي، وهم غذائي الروحي.
- شيخنا الجليل، عندي طلب وأرجو أن لا تردني خائبا.
- تفضل ابني لك ما تشاء.
- منذ نعومة أظفاري تعلقت بالقراءة وكسب المعرفة، وعندي نهم عارم لزيادة المعرفة ولدي تساؤلات كثيرة تجول في عقلي القاصر، ولمعرفتي بك وبعلمك وكونك جار لنا، وحق الجار على جاره ثقيل، أطلب أن تقبلني تلميذا لديك يعرف قدرك ويوقر شخصك.
ابتسم الشيخ، واطرق برأسه إلى الأرض، ثم نهض وجلب كتيب صغير من إحدى رفوف مكتبته الغنية بالكتب:
- هل تعرف رسالة الحقوق؟.
- نعم أعرفها... أمي تعرف مدى حبي وعشقي للكتاب، وتعرف أنّ لا هدية عندي أغلى منه، ذات مرة اشترت أمي كتاب الصحيفة السجادية -مزمار آل محمد- واهدتني إياه، فرحت به كثيرا؛ على الرغم من وجوده في مكتبتي والاستفادة منه في أوقات العبادة ورفع الدعاء، لكن ما لاحظته هو وجود ملحق بالكتاب، بعنوان (رسالة الحقوق للإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام)، لم أكن مطلعا على هذه الرسالة من قبل، شكرت أمي وقبّلت يداها، وقرأتُ الرسالة وفهمت منها أشياء كثيرة.
- اسمع ما سوف أقرأه لك منها، يقول مولاي سيد الساجدين: (وأمَّا حَقُّ رَعِيَّتِكَ بالعِلْمِ فَأنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللهَ قَدْ جَعَلَكَ لَهُمْ فِيمَا آتاكَ مِنَ الْعِلْمِ وَ ولاّكَ مِنْ خَزَانةِ الْحِكْمَةِ، فَإنْ أَحْسَنْتَ فِيمَا ولاّكَ اللهُ مِنْ ذلِكَ وَقُمْتَ بهِ لَهُمْ مَقَامَ الخَازِنِ الشَّفِيقِ النَّاصِحِ لِمَولاهُ فِي عَبيدِهِ، الصَّابرِ الْمُحْتَسِب الَّذِي إذَا رأَى ذا حَاجَة أَخرَجَ لَهُ مِنَ الأَمْوَالِ الَّتِي فِي يَدَيهِ كُنْتَ رَاشِدًا، وَكُنْتَ لـِذَلِكَ آمِلاً مُعْتَقِدًا وَإلاّ كُنْتَ لَهُ خَائِنًا وَلِخَلقِهِ ظَالِمًا وَلِسَلْبهِ وَعِزِّهِ مُتَعَرِّضًا.)، لذا طلبك مجاب.
فرحتي كانت تشبه فرحة الأرض اليابسة بقطارات الغيمة الهاطلة على جسدها، أردت أن أرد هذا الجميل فطلبت من شيخي الرسالة، أخذتها وتلوت عليه منها: (وأَمَّا حَقُّ سَائِسِكَ بالعِلْـمِ فالتَّعْظِيمُ لَهُ والتَّوْقِيرُ لِمَجْلِسِهِ وَحُسْنُ الاسْـتِمَاعِ إليهِ وَالإقْبَالُ عَلَيْهِ وَالْمَعُونةُ لَهُ عَلَى نفْسِكَ فِيمَـا لا غِنَى بكَ عَنْهُ مِنْ الْعِلْمِ بأَنْ تُفَرِّغَ لَهُ عَقلَكَ وَتُحْضِرَهُ فَهْمَكَ وتُزَكِّي لَهُ قَلْبَكَ وتُجَلِّى لَهُ بَصَرَكَ بتَرْكِ اللّذَّاتِ وَنقْص الشّهَوَاتِ، وَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّكَ فِيمَا أَلقَى إلَيْكَ رَسُولُهُ إلَى مَنْ لَقِيَكَ مِنْ أَهْلِ الْجَهْلِ فَلَزِمَكَ حُسْنُ التَّأْدِيَةِ عَنْهُ إلَيْهِمْ، ولا تَخُنْهُ فِي تَأْدِيَةِ رِسَالَتِهِ وَالْقِيَامِ بهَا عَنْهُ إذا تَقَلَّدْتَهَا.)، فهذا عهدي لك ما دمت حتى ينقطع النفس.
ضرب لي وقت يناسبه ويناسبني في تلقي الدروس، وقد أكد علي مراجعة رسالة الحقوق دوما والالتزام بما جاء فيها لأنها دستور أخلاقي شامل يحقق السير والسلوك نحو الخالق، كما يحقق السعادة في الدنيا.
كما حلم الفلاسفة والمفكرين بالمدينة الفاضلة، كنت أحلم نفس حلم الفارابي وافلاطون في جمهوريته، في يوم طرحت على شيخي سؤال: هل بالإمكان تحقيق المدينة الفاضلة أم هي حلم يصعب تحقيقه؟.
- على الأرض تحتاج إلى معجزة إلهية، فالدنيا ليس مكان لتحقيق العدل الإلهي والسبب في ذلك هو أنّ النفس البشرية جعلت فيها قوى متناقضة والقليل يسيطرون على أنفسهم بقوة العقل ويكبحون زمامها، لكن سوف تكون المدينة الفاضلة في عصر الظهور ببركة بقية الله في أرضه.
- كيف ذلك ولماذا؟.
- العدل الإلهي هو أصل من أصول الدين والله تعالى سوف يظهر في آخر الزمان هذا العدل في دولة المهدي المنتظر ليكون نموذج حي لما بعد زوال الدنيا.
كلما مرت الأيام مع معلمي ازداد فهمي وتنور عقلي، وأدركت أن المدينة الفاضلة موجودة في ذات الإنسان وهي متحققة فعلا بالإنسان الذي يمتلك الحكمة ويسير بمنهاج العقل والأخلاق.
الأجواء كانت مشحونة بالقلق، كنت أشاهد العيون التي تراقب بيت استاذي تنذر بالخطر المحدق، عندما أخبرته بهواجسي، نصحني بالاستعانة بالله، كنت اغبطه على قوة الإرادة والاطمئنان، طلب مني الانقطاع عن الدرس، والصبر حتى يتبين واقع الحال من حملات الاعتقال التعسفية والإعدامات التي طالت طلاب الحوزة العلمية في النجف الاشرف من قبل نظام البعث الصدامي، أثناء حديثنا اقتحم رجال الأمن دار أستاذي اوثقوا أيدينا وبعثروا المكتبة وأخذوا منها بعض الكتب، كانت لحظات انتابي فيها الخوف، شيخي كان مطمئنا وقد نالني من ثباته شيء؛ فارتاحت نفسي، أكثر من يومين ونحن في غرفة ظلماء، فجأة انير المكان ودخل علينا مجموعة من الرجال وانهالوا علينا بالضرب المبرح، مرت علينا دقائق كأنها سنين طويلة، في داخلي أقول: (أمثل هذا الرجل العالم يضرب ويعذب؟!)... تذكرت محنة الأنبياء والمرسلين وهانت محنتي عندما تذكرت محنة سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام.
على الرغم من كل ما جرى علينا؛ شيخي كان يذكرني بالصبر والسلوان ويحثني على تلاوة ما أحفظه من القرآن، والادعية، كانت كلماتهم البذيئة التي تنهال علينا؛ أقسى من سياطهم، تذكرت كلام الإمام زين العابدين: (وَأَمَّا حَقُّ اللّسَان فَإكْرَامُهُ عَنِ الْخَنَى وتَعْوِيدُهُ عَلَى الْخَيْرِ وَحَمْلُهُ عَلَى الأَدَب وَإجْمَامُهُ إلاّ لِمَوْضِعِ الْحَاجَةِ وَالْمَنْفَعَةِ لِلدِّينِ وَالدُّنْيَا وَإعْفَاؤُهُ عَنِ الْفُضُول اُلشَّنِعَةِ الْقَلِيلَةِ الْفَائِدَةِ الَّتِي لا يُؤْمَنُ ضَرَرُهَا مَعَ قِلَّةِ عَائِدَتِهَا. وَيُعَدُّ شَاهِدَ الْعَقْلِ وَالدَّلِيلَ عَلَيْه وَتَزَيُّنُ الْعَاقِلَ بعَقْلِهِ حُسْنُ سِيرَتِهِ فِي لِسَانِه).
بكيت وقلت في نفسي أين هؤلاء من الإنسانية والعقل، أفراد وجماعات باعوا الثمين بالثمن البخس وتاجروا بتجارة خاسرة، ولا أعظم من خسارة الضمير.
خرجت ولكن قلبي بقي مع أستاذي ومعلمي، أيام وليالي مرت؛ طالت غيبته، بعد ثلاث وعشرين سنة وما زلت أتمنى رؤيته والوصول إلى مستوى درجاته الرفيعة.
وأخيرا أيقنت معنى كلمة معلمي: (يا غريبا كن أديبا)، حقا أن العلماء يعيشوا حياة الغربة بين الناس ما دام الناس لا يعرفون قدرهم.




كلمات دلالية:  ال هذا كانت كنت الناس علينا يم ام
ملاحظة : نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.


تعليقات حول الموضوع

لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية

الاسم الكامل: اختياري *الرسالة : مطلوب

 البريد الالكتروني : اختياري

 الدولة : اختياري

 عنوان الرسالة : اختياري

 



اشترك و أضف بريك لتلقي الأخبار

تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعية
ALL RIGHTS RESERVED 2018
top