ركاب طائرة شاهدوا صاروخ كيم أثناء عودته من الفضاء!      إلقاء القبض على "المرأة الأكثر إثارة في العالم"!      الحريري يعلن تراجعه عن الاستقالة من منصب رئيس الوزراء اللبناني      قتلى وجرحى بتفجير إرهابي في حي عكرمة بمدينة حمص السورية      موسكو تصف علاقاتها الحالية مع واشنطن بمثابة حرب باردة      سؤال الى رئاسة الوزراء هل تم هذا بموافقتكم : وصول نيجيرفان بارزاني إلی باريس للقاء ماكرون      واشنطن تدرس وقف تسليح وحدات حماية الشعب الكردية السورية      ثبتت براءته بعد سجنه 38 عاما!      مولد النور      تقرير مصور عن الإحتفال السنوي لمنظمة كلنا العراق للتعايش السلمي وسعدون الفرحان يشكر الحاضرين      ماذا حدث لليمنيين بعد تعويم المشتقات النفطية!!      تفوق رياضي فلسطيني يهز الإعلام الإسرائيلي      الداشرمحمد بن سلمان: 95% من المحتجزين يفضلون المصالحات على المحاكمات      السيسي: مصر متأهبة لبناء عدد كبير من المدن      نواب متهمون بإهمال مشروعات القوانين "التي لا تخدم الدعاية الانتخابية"     
أضواء من التشكيل العراقي.. حافظ الدّروبي وِسمَ بـ (رسّام المدينة)
2017-07-06 16:46:11


علي إبراهـيم الدليمي *

في منتصف العقد الثمانيني تقريباً، كنت قد زرت (قاعة الرواق)، وهي كعادتي في كل مرة، كلما أمنح إجازة من الجبهة، أتجول على قاعات العرض التشكيلي في بغداد، لأتابع المعارض الفنية واللقاء مع الأصدقاء من الفنانين، وعند دخولي الرواق، أستقبلني الفنان الرائع (موفق الخطيب) رحمه الله، مسؤول القاعة وقتذاك، وكان جالس معه الفنان (حافظ الدروبي) بهيبته وإتزانه، فقدّمني له، قائلاً: أقدم لك فنان (الكاريكاتير) ...، فأمتعظ قاطباً حاجبيه، وكأنه سمع خبراً مأساوياً!! فصرخ بعصبية قائلاً: (شنو كاريكاتير.. كول.. كاريكاتور؟!).. فما كان من الفنان موفق الخطيب، بروحه الرائعة وطيبته المعهودة عنه، إلّا أن يخفف من وطأة الموقف، ببعض الكلمات الجميلة.. وأنتهت الحكاية، على خير، لنجلس بعدها ونتحدث بشؤون وشجون الفن.. وأحداث الحرب اللعينة الدائرة حينذاك.
كان ذلك أول لقاء شخصي مع الفنان حافظ الدروبي، لكننا جميعاً حتماً نعرف من هو الدروبي الفنان المعطاء، دون أن نلتقي معه شخصياً.. أو عن قرب.
حافظ الدروبي، فنان تشكيلي من طراز (إنطباعي بغدادي) خاص وخالص، حتى النخاع جداً، لم يخضع لأية تأثيرات فكرية أو فنية خارجية، طوال مسيرته الإبداعية، حتى وهو في أثناء دراسته الأكاديمية خارج العراق، صحيح قد أبهرته فنياً نوعاً ما في بدايته.. المدرستين الإيطالية والانكليزية.. ولكنه أسس (إتجاهه) الإنطباعي العراقي الخاص به، الذي خرج من (معطفه/ إتجاهه) هذا، العديد من الفنانين منهم: علاء بشير وحياة جميل حافظ وياسين شاكر ونزيهة سليم وناهدة الحيدري.. وآخرون قبل أن يمارس بعضهم إتجاهات فنية أخرى. 
الدروبي، رسام حمل (إنطباعيات بغداد) الإجتماعية الشاملة، قبل إنطباعياته التشكيلية الملونة.. في ضميره وبصيرته وفكره، وحفظ ذكريات طفولته وعفويته التي نشأ عليها في مدينته، وما أدراك ما بغداد، ولا غيرها من مدينة تحلى في عينيه.. فهي نشوب صباه وعالمه الكبير ومحيطه الحالم والمعاصر والتراث والتاريخ، حيث شناشيل بيوتاتها التراثية القديمة وأسواقها، ولآلة مآذنها الشامخة التي تعانق خيوط الشمس وقباب مساجدها المتميزة، وتراص أزقتها الضيقة، وأسواقها الزاخرة، وألعابها وتقاليدها الإجتماعية الجميلة، وأزياؤها الفلكلورية الشعبية، وعبق بساتينها المثمرة ومروجها الزاهي على ضواحيها.. و.. و..، لينهل بالتالي من كل هذه الدافعيات الإبداعية الواقعية.. ويقدمها كـ (نصوص) رؤيوية بمشاهد تشكيلية متميزة.. لا تزال خالدة حتى الآن، وهل هنالك أجمل من (النصوص) الخيالية الرائعة لقصص ألف ليلة وليلة، والسندباد وعلاء الدين.. في تاريخ بغداد؟.. انه الإلتزام الصارم بولائه العميق لبغداد مرتع طفولته ومرجع ذكرياته.
لوحاته لم يحملها عناوين (إعلانية طلسمية) تشير لموضوعاتها، بل المتلقي هو من يفك (شفرتها)، بقدر ما هي واقعية بغدادية رصينة.. يعشقها ويتآلف معها، لا تقبل التأويل أبداً، حتى وهو يجرب الرسم (التكعيبي) الغربي، في فترة ما، لم يخدش حياء (موضوعاته) المحافظة، أو يجازف بحرارة ألوانه الشرقية البارزة.. التي كانت ألوانه بمثابة إحتفائيات مع الرموز البغدادية الشامخة، لوحات تشير إلى (سوق شعبي) و(أهوار من العراق) و(حياة جامدة) و(حديقة البيت) و(بساتين منطقة الفحامة) و(سماور بغدادي) و(مشهد من بغداد) و(بورتريت لشخصية بغدادية) و(جلسة سمر عباسية) و(شناشيل بغدادية) و(الفخارون) و(تجريدات هندسية بغدادية) و(الحجية) و(عبد العزيز الدوري) و(العيد) و(سوق الكاظمية) و(زوجتي).. إلخ.
بغداد، أعتزت بوفاء أبنها البار حافظ الدروبي، حينما خلدته ووسمته بإسمها (رسام المدينة) لأنه حمّل لوحاته (صبغة) بغداد التاريخ والتراث والمستقبل.. أما فِهم الموضوع الإجتماعي لدى الفنان حافظ الدروبي، فهو بمثابة الباحث المتخصص، الذي لم يخرج من محيط مدينته.. بل وثقها من خلال رصد جوانب الحياة العامة في المجتمع البغدادي ومحيطه الشامل، وقد أستطاع أن يوظفها وإستلهامها بشكل مدروس ودقيق.. ورغم عصرنة المدينة.. ظلت بغداد القديمة عشقه الأزلي، وهويته الشخصية والفنية التي تحمل في طياتها وثناياها الأصالة الإنسانية الصحيحة، الذي يستلهم منها موضوعاته الخالدة.
كما أن الفنان الدروبي، قد رسم جداريات أستلهم فيها موضوعات من الحضارة العراقية القديمة، وملاحم البطولات الإسلامية في تاريخنا العربي.. ومنها (فتح عمورية) لنادي الأركان العسكري، و(نبوخذ نصر) و(باب عشتار) و(الحضر) و(من معارك القادسية التاريخية)..
كان الدروبي، كما هو معروف عنه، يتمتع بروح الدعابة ودغدغة المشاعر النفسية البغدادية وسرعة البديهة.. وحدث أن ذهب في الثلاثينات إلى ألمانيا في أول عهد إستلام هتلر الحكم، بصحبة فريق رياضي.. ولدى إستعراض الفرق العالمية المشاركة، كان كل فريق ينشد النشيد الوطني لبلده، فتعرض الفريق العراقي للحرج لعدم وجود نشيد وطني عراقي حينها، فأقترح عليهم الدروبي: عندما نقترب من المنصة رددو ما سأقوله.. فأخذ ينشد: بلي يا بلبول.. بلي.. ماشفت عصفور.. بلي..، والمدهش أن الجمهور الألماني قد أعجبه ذلك وتفاعل معها وأخذ يردد مع الفريق، هذه "الإنشودة"!
والفنان حافظ حسن الدروبي، مواليد 1914 بغداد، محلة الصدرية، درس في الكتاتيب في جامع الألفي، فتح عينيه على والدته وهي تمارس فن التطريز الزخرفي اليدوي، الذي طبع ألوانه وجماليته في مخيلته الشفيفة، وقد مارس في طفولته العديد من الهوايات، من لعبة القدم والتمثيل والعزف على العود فضلاً عن الرسم، وفي مدرسة العوينة عام 1923، ألتقى بأستاذه الأول (عبد الكريم محمود) وهو من أوئل الرسامين في العراق، ليتعلم على يده أبجدية فن الرسم الصحيح، وتشاء الصدف الجميلة كذلك أن يلتقي بمعلمه الثاني (شوكت الخفاف أو الرسام) وهو أيضاً من (الأوائل) وعن طريقه تابع وتألف مع أخبار عبد القادر الرسام، وغيره من رواد الفن التشكيلي العراقي. 
وفي المرحلة المتوسطة، ساهم الدروبي، لأول مرة في "المعرض الصناعي الزراعي"، وهو أول معرض عام 1931 حيث يتعرف خلاله على الفنان فائق حسن والفنان جواد سليم، وفي عام 1932 أقام أول معرض شخصي، وكان آنذاك يمارس تدريس الرياضة في المدارس الأبتدائية، وفي عام 1936، أقام معرضاً شخصياً في نادي المعلمين في منطقة المربعة، وقد ضم عشرين عملاً من مختلف المواضيع التي سجل فيها بعض من المناظر الطبيعية والبيئة، وأثار معرضه إهتمام رئيس الوزراء ياسين الهاشمي، الذي على أثره أوفد عام 1937، مع زميله عطا صبري في بعثة فنية إلى إيطاليا للدراسة في أكاديمية روما الملكية، ويدخل محترف الفنان الإيطالي (كارلو سيفيرو)، ثم مرسم الفنان (لينيسكي) بصحبة جواد سليم، الذي جاء للدراسة أيضاً في روما، فيتعرف من خلاله على أصول الفن الغربي وتقاليد المدرسة الإيطالية وتراث عصر النهضة، ولكنه بعد ثلاث سنوات وفي الصف المنتهي، أشتعلت آوار الحرب العالمية الثانية، التي أغتالت طموحه في إكمال دراسته، حيث رجع إلى بغداد، وتعين في متحف الآثار العراقية مع الأستاذ ساطع الحصري، حيث كان يرسم للمتحف فقط، وذلك لشحة مواد الرسم لظروف الحرب، وكان بصحبته كل من الفنانين: جواد سليم وعطا صبري وجميل حمودي وعيسى حنا وخالد الرحال، تحت إشراف الفنان أكرم شكري. بعدها عين معلماً للفن في مدرسة (الميتم الإسلامي)، ثم ينتقل مدرسا في دار المعلمين الريفية، عام 1941، عام 1939 وضع مع فائق حسن وعطا صبري (مناهج) التدريس لمعهد الفنون الجميلة، الذي أفتتح فرعاً للرسم. أسس مع زملائه جمعية أصدقاء الفن، وشارك في معارضها (1941، 1942، 1943، 1946)، أول من أسس (مرسم الحر) في العراق عام 1942.. في كلية الآداب والعلوم.. سماه مرسم حافظ الدروبي، على طراز المراسم الأوربية، والذي كان ملتقاً فكرياً وفنياً للكثير من أساتذة الكلية وللمثقفين من خارج الكلية، وأستمر في هذه التجربة في التعليم لبضعة أشهر، وبسبب ظروف مادية صعبة، توقف المرسم، حيث كان إيجار المرسم (75) ديناراً في السنة وبدل الإشتراك نصف دينار، إلا أن تكاليفه أصبحت باهضة مع مرور الزمن، وعندما حاول الإستعانة بوزارة المعارف، أعترضت مدعية أنه ليس من صلاحيتها مساعدة جهة غير رسمية، ولكنه أعيد إفتتاحه مرة أخرى عام 1945.. ليولد من رحم هذا (المرسم)، الذي توقف نهائياً، تأسيس (جماعة الإنطباعيين العراقيين)، التي ضمت كل من: (علاء بشير، سعدي الكعبي، سعد الطائي، عبد الأمير القزاز، أرداش كاكافيان، ضياء العزاوي، منذر جميل حافظ، حياة جميل حافظ، مظفر النواب، طارق مظلوم، حامد يوسف حمادي، عالية القره غولي)، مع مجموعة من الفنانين الرواد (عبد القادر الرسام، وعاصم حافظ، صالح محمد زكي، الحاج سليم علي، شوكت الرسام، والنحات فتحي صفوة).. ولكن للآسف أنفرط عقد هذه الجماعة عام 1968، شارك في معرض إبن سينا الذي أقيم في المعهد الثقافي البريطاني ببغداد عام 1952، وفي العام نفسه.. ساهم مع تسعة فنانين بإقامة معرض للفن العراقي المعاصر في بيروت عام 1965، أقام معرضاً شخصياً عام 1951، على قاعة متحف الأزياء القديم، وبعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية سافر إلى انكلترا لإتمام الدراسة الفنية في كلية (كولد سميت) التابعة لجامعة لندن عام 1946، من ضمن بعثة ضمت كلا من جواد سليم وعطا صبري، حيث حاز على الجائزة الثانية في معرض الكلية، عام 1950، أنهى دراسته وحصل على شهادة الدبلوم الوطني في التصميم وشهادة "سرتفكا" في الرسم الزيتي والشهادة العالية في الفن والحِرفية، ليتعين مدرساً للرسم في كلية الآداب والعلوم.. حتى عام 1967، أقام معرضاً مشتركاً مع فنانين أثنين عام 1960، عام 1964 ترأس جمعية الفنانين التشكيليين، عام 1972، ترأس اللجنة الوطنية للفنون التشكيلية المنبثقة عن اليونسكو، عام 1972 كرم مع زملائه كل من: أكرم شكري وعطا صبري وفائق حسن خلال مهرجان الواسطي، وفي تاريخ 17/1/1980، كرّم من قبل وزارة الثقافة والإعلام بمعرض إستعادي شامل لأعماله، على قاعة المتحف الوطني للفن الحديث. عام 1982، أحيل على التقاعد، لبلوغه السن القانونية، من مهنة التدريس التي أمضى فيها ما يقارب الخمسين عاماً مبتدأ بمدرس لمادة الرياضة في المدارس الإبتدائية إلى مدرس للرسم في كلية الآداب والعلوم إلى عميداً بالوكالة في العام 1967، في أكاديمية الفنون الجميلة، ومن ثم رئيساً لقسم الفنون التشكيلية، وأخيراً أستاذاً لمادة الرسم في الأكاديمية، فضلاً عن مشاركته في جميع المعارض الوطنية التي أقيمت خارج العراق، عضو جمعية الفنانين العراقيين، وجمعية التشكيليين، ونقابة الفنانين العراقيين، توفى في بغداد، يوم 23/1/1991، بعدما أمضى مدة طويله فى لندن لغرض العلاج.. أي مع بداية العدوان الأمريكي على بغداد، وكأنه يقول لا شيء يجعلني أن أعيش بعد الآن.. بدون (بغدادنا) القديمة.. بل حتى بيته.. الذي أراده أن يصبح متحفاً للفن.. آل إلى دائرة رسمية مدججة بالسلاح.!
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏نص‏‏‏





ملاحظة : نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.


علي الدليمي
2017-07-06 00:00:00
جزيل شكري وتقديري لموقع الرشيد ..للمتابعة الرائعة للمشهد التشكيلي والثقافي العراقي ..
Iraq (0)   (0)

تعليقات حول الموضوع

لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية

الاسم الكامل: اختياري *الرسالة : مطلوب

 البريد الالكتروني : اختياري

 الدولة : اختياري

 عنوان الرسالة : اختياري

 



اشترك و أضف بريك لتلقي الأخبار

تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعية
ALL RIGHTS RESERVED 2017
top